سعيد حوي
1562
الأساس في التفسير
خلق النوم واليقظة والموت . ثم أكثر عزّ وجل في أثناء السورة من الإنشاء والخلق لما فيهن من النّيّرين والنجوم ، وفلق الإصباح ، وفلق الحب والنوى ، وإنزال الماء وإخراج النبات والثمار بأنواعها ، وإنشاء جنات معروشات وغير معروشات ، إلى غير ذلك مما فيه تفصيل ما فيهن ، وذكر عليه الرحمة وجها آخر في المناسبة أيضا وهو أنه سبحانه لما ذكر في سورة المائدة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ الخ . . وذكر جل شأنه بعده ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ الخ . . فأخبر عن الكفار أنهم حرّموا أشياء مما رزقهم اللّه تعالى افتراء على اللّه عزّ شأنه ، وكان القصد بذلك تحذير المؤمنين أن يحرموا شيئا من ذلك ؛ فيشابهوا الكفار في صنعهم وكان ذكر ذلك على سبيل الإيجاز ، ساق جلّ جلاله هذه السورة لبيان حال الكفار في صنعهم ، فأتى به على الوجه الأبين ، والنّمط الأكمل ، ثم جادلهم فيه ، وأقام الدلائل على بطلانه ، وعارضهم وناقضهم إلى غير ذلك ، مما اشتملت عليه السورة ، فكانت هذه السورة شرحا لما تضمنته تلك السورة من ذلك على سبيل الإجمال ، وتفصيلا وبسطا وإتماما وإطنابا ، وافتتحت بذكر الخلق والملك ، لأن الخالق المالك هو الذي له التصرف في ملكه ومخلوقاته ، إباحة ومنعا ، وتحريما وتحليلا ، فيجب أن لا يعترض عليه سبحانه بالتصرف في ملكه ، ولهذه السورة أيضا اعتلاق من وجه بالفاتحة لشرحها إجمال قوله تعالى : رَبِّ الْعالَمِينَ وبالبقرة لشرحها إجمال قوله سبحانه : الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وقوله عزّ اسمه الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وبآل عمران من جهة تفصيلها لقوله تعالى جل وعلا وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ وقوله تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ الخ . . وبالنساء من جهة ما فيها من بدء الخلق والتقبيح لما حرموه على أزواجهم وقتل البنات . وبالمائدة من حيث اشتمالها على الأطعمة بأنواعها . وقد يقال : إنه لما كان قطب هذه السورة دائرا على إثبات الصانع ، ودلائل التوحيد حتى قال أبو إسحاق الأسفرايني : إن في سورة الأنعام كل قواعد التوحيد ناسبت تلك السورة من حيث إن فيها إبطال ألوهية عيسى عليه الصلاة والسلام ، وتوبيخ الكفرة على اعتقادهم الفاسد ، وافترائهم الباطل هذا ، ثم أنه لما كانت نعمه سبحانه وتعالى ممّا تفوت الحصر ، ولا يحيط بها نطاق العد ، إلا أنها ترجع إجمالا إلى إيجاد وإبقاء في النشأة الأولى ، وإيجاد وإبقاء في النشأة الآخرة ، وأشير في الفاتحة - التي هي أم الكتاب - إلى الجميع ، وفي الأنعام إلى الإيجاد الأول ، وفي الكهف إلى الإبقاء الأول . وفي سبأ الإيجاد الثاني ، وفي فاطر إلى الإبقاء الثاني ابتدئت هذه الخمس بالتحميد .